محمد غازي عرابي
778
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
صغير آخر في هذه الجوقة الموسيقية التي لا تكاد يحصر نغماتها عدد لتشاكل الأمر على الأمهات ولتاهت عن صغارها وأضاعتها . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 61 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 61 ) [ العنكبوت : 61 ] الشمس إشارة إلى شمس الذات الفاعلة وهي الروح الكلي أول خلق اللّه والذي منه تصدر الكثرة باعتبار قابليته للتكثر والفعل في هذا التكثر ، والقمر الذات المنفعلة وهي النفس الكلية القابلة التي هي بدورها وحدة من حيث الباطن والجوهر وكثرة من حيث التكثر في الأجزاء المسماة النفوس الجزئية ، علما أن الكثرة هي متحدة الهوية مع النفس الكلية . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 62 ] اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 62 ) [ العنكبوت : 62 ] قوله : يَبْسُطُ الرِّزْقَ فيه لطيفة ، ذلك أن سنة النبي لا تفصل بين اللّه والعالم كما قال عليه السّلام : لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر ، فأحداث العالم اليومية المتغيرة والمتطورة هي هي الفعل الإلهي وإن تمت على أيدي الناس ، كما قال عليه السّلام أيضا : لو اجتمع الناس على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بما كتب اللّه لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بما كتب اللّه عليك . والآية بدأت الحديث بأن اللّه يبسط الرزق أي يهيء الأسباب الداعية للرزق ، حتى إذا شاء أمرا آخر قدر هذا الرزق أي ضيقه . . . وعلى هذا فإن سعي الإنسان في هذه الحياة رهن بالمشيئة الإلهية إن شاءت بسطت الرزق ، وإن شاءت ضيقته ، فالإنسان إذا سعى سعى ضمن نطاق المشيئة الإلهية ، وفي هذا عودة إلى الحديث عن العلم الإلهي الثابت والمعلومات المتطورة المتعلقة بالزمان والمكان علما أن الثابت والمتحول داخلان في دائرته تعالى . وعليه فإن أعان إنسان آخر فإن اللّه هو المعين على الحقيقة ، وإن منع إنسان آخر يكون اللّه هو المانع ، وفي هذا إحالة على معنى التوكل الذي هو بذل الجهد في السعي ، ثم تقبل النتيجة سلبا كانت أم إيجايبا لإيمان المتوكل بأن اللّه مسبب الأسباب ، وهو بكل شيء محيط . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 63 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 63 ) [ العنكبوت : 63 ] سبق الحديث عن الماء الذي هو العلم ، والعلم علمان العقلي والروحي وكلاهما للّه أيضا ، وما انتقدنا اعتماد العلم العقلي وحده إلا لننبه على أن اللّه هو المعلم عن طريق الفكر